ولعل الصيام في هذا الشهر هو أحد الأركان الهامة التي تمتد آثارها لتشمل كل نواحي حياة المسلمين في هذا الشهر ..
وللصيام آثار إيجابية علي الصحة العامة للجسد وعلي الصحة النفسية أيضاً .. وفي هذا الموضوع إجابة علي التساؤلات حول الجوانب النفسية لصوم رمضان كما نلاحظها ونرصدها من وجهة النظر النفسية .. كما أننا هنا نعرض أهمية التقرب إلى الله بالصيام والعبادات ودور الإيمان بالله في الوقاية والعلاج من الأمراض النفسية والمشكلات الأخرى ، والوصول إلى حالة من الطمأنينة والاستقرار والاتزان النفسي .
هل للصيام آثار نفسية إيجابية !؟
لعل أهم ما يميز شهر رمضان عن بقية العام هو الصيام الذى يعني الامتناع عن تناول الطعام والشراب وممارسة الشهوات خلال النهار ، بالإضافة الي الجو الروحاني الخاص الذي يميز هذا الشهر من المشاركة العامة بين الأفراد في تنظيم أوقاتهم خلال اليوم بين العبادة والعمل في فترات محددة وتخصيص أوقات موحدة يجتمعون فيها للإفطار ، وهذه المشاركة في حد ذاتها لها أثر إيجابي من الناحية النفسية علي المرضي النفسيين الذين يعانون من العزلة ويشعرون أن إصابتهم بالاضطراب النفسي قد وضعت حاجزاً بينهم وبين المحيطين بهم في الأسرة والمجتمع .. وشهر رمضان بما يتضمنه من نظام شامل يلقي بظلاله علي الجميع حين يصومون خلال النهار ، وتتميز سلوكياتهم عموماً بالالتزام بالعبادات ، ومحاولات التقرب إلى الله ، وتعم مظاهر التراحم بين الناس مما يبعث علي الهدوء النفسي والخروج من دائرة الهموم النفسية المعتادة التي تمثل معاناة للمرضي النفسيين فيسهم هذا التغيير الإيجابي في حدوث تحسن في حياتهم النفسية .
وللصوم آثار إيجابية في تقوية الإرادة التي تعتبر نقطة ضعف في كل مرضي النفس،كما أن الصوم هو تقرب إلى الله يمنح أملاً في الثواب ويساعد علي التخلص من المشاعر السلبية المصاحبة للمرض النفسي ، كما أن الصبر الذي يتطلبه الامتناع عن تناول الطعام والشراب والممارسات الأخرى خلال النهار يسهم في مضاعفة قدرة المريض على الاحتمال مما يقوى مواجهته ومقاومته للأعراض المرضية ... ولهذه الأسباب فإننا في ممارسة الطب النفسي ننصح جميع المرضى بالصيام في رمضان ونلاحظ أن ذلك يؤدى إلى تحسن حالتهم النفسية .
الصيام وقوة الإرادة
من وجهة نظر الطب النفسي فإننا ننظر إلى الصوم وقدوم شهر رمضان علي انه فرصة جيدة وموسم هام يساعدنا في مواجهة الكثير من المشكلات النفسية ، والمثال على ذلك حالة المدخنين الذين اعتادوا علي استهلاك السجائر بانتظام خلال الأيام العادية بمعدل زمني لا يزيد عن دقائق معدودة بين إشعال سيجارة بعد سيجارة حتى يتم الاحتفاظ بمستوى معين من مادة النيكوتين التي تم تصنيفها ضمن مواد الإدمان .. إن قدوم شهر الصيام والاضطرار إلى الامتناع عن التدخين علي مدى ساعات النهار هو فرصة للمدخنين الراغبين في الإقلاع لاتخاذ قرار التوقف نهائياً عن التدخين ، ونلاحظ بالفعل أن نسبة نجاح الإقلاع عن التدخين في شهر رمضان اكبر من النسبة المعتادة في الأوقات الأخرى والتي لا تزيد عن 20% بمعنى أن كل 10 من المدخنين يبدأون في الإقلاع ينجح 2 فقط منهم ويعود 8 إلى التدخين مرة أخرى .
وبالنسبة للإدمان - وهو إحدى المشكلات المستعصية التي تواجه الأطباء النفسيين - فإن تحقيق نتيجة ايجابية في علاج هذه الحالات يمكن أن تزيد فرصته مع صيام رمضان ، فالصيام تقوية للإرادة المتدنية لدى المدمنين ، وقبولهم تحدى الامتناع عن الطعام والشراب خلال نهار رمضان يسهم في تقوية إرادتهم ومقاومتهم لإلحاح تعاطي مواد الإدمان المختلفة ، كما أن شهر رمضان يذكر الجميع بضرورة التوقف عن ممارسة الأعمال التي تتنافي مع روح الدين ويمنح فرصة للتوبة والرجوع إلى الله ، وهي فرصة كبيرة للخروج من مأزق الإدمان لمن لديه الدافع إلى ذلك ..
الصيام والحالة النفسية
القاعدة الطبية المعروفة التي تؤكد أن الوقاية أفضل وأجدى من العلاج تنطبق تماماً في حالة الأمراض النفسية ، فقد ثبت لنا من خلال الملاحظة والبحث في مجال الطب النفسي أن الأشخاص الذين يتمتعون بشخصية متزنة ولديهم وازع ديني قوى ، ويلتزمون بأداء العبادات وروح الدين في تعاملهم هم غالباً اقل إصابة بالإضطرابات النفسية ، وهم أكثر تحسناً واستجابة للعلاج عند الإصابة بأي مرض نفسي ، والغريب في ذلك أن بعض هذه الدراسات تم اجراؤها في الغرب حيث ذكرت نتائج هذه الأبحاث أن الإيمان القوى بالله والانتظام في العبادات لدى بعض المرضي النفسيين كان عاملاً مساعداً علي سرعة شفائهم واستجابتهم للعلاج بصورة أفضل من مرضي آخرين يعانون من حالات مشابهة ، والأغرب من ذلك أن دراسات أجريت لمقارنة نتائج العلاج في مرضى القلب والسرطان والأمراض المزمنة أفادت نتائجها بأن التحسن في المرضي الملتزمين بتعاليم الدين الذين يتمتعون بإيمان قوى بالله كان ملحوظاً بنسبة تفوق غيرهم ، وقد ذكرت هذه الأبحاث أن شعور الطمأنينة النفسية المصاحب للإيمان بالله له علاقة بقوة جهاز المناعة الداخلي الذي يقوم بدور حاسم في مقاومة الأمراض ...
كلمة أخيرة .. أتوجه بها إليك - عزيزي القارئ - فأمامنا جميعاً فرصة ذهبية لتحقيق مكاسب كثيرة في هذا الشهر الكريم .. فالصيام وذكر الله في نهار رمضان ، والتقرب إلى الله بالعبادات في هذا الشهر من الأمور الايجابية التي تنعكس علي الصحة النفسية للجميع النفسية ..
كما أن الفرصة الذهبية هي من نصيب إخواننا الذين هم أسرى لعادة التدخين التي تهدد صحتهم ويمكن أن تودي بحياتهم ، وللذين وقعوا في مأزق الإدمان علي المواد المخدرة .. كل هؤلاء يمكنهم في هذا الموسم بالذات الاستفادة من هذه الفرصة في شهر رمضان الذي استقبلناه ونعيش أيامه ولياليه في جو روحاني رائع .. ونتمنى أن يكون هذا الشهر مناسبة مباركة يتم فيها شروق أمل في نهاية المصاعب والمتاعب التي يعانى منها المسلمون في أنحاء العالم .. وأن يشهد رمضان في الانتصار والخير والسلام للإسلام والمسلمين ..
الأحساء-المنيزلة