نسبه:
آل الحكيم من الأُسر العلوية التي يعود نسبها إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) ، وهي من العوائل العلمية ، وقد برز منها علماء عُرِف منهم في أوائل القرن الرابع عشر الهجري ، العالم الأخلاقي السيد مهدي الحكيم ، والد الإمام السيد محسن الحكيم ( قدس سرّه ) .
نشأته:
نشأ في أحضان والده ، حيث التُقى والورع والجهاد وفي مثل هذا الجو العابق بسيرة الصالحين كانت نشأته ، فكان خير خلفٍ لخير سلف .
دراسته واساتذته :
تلقى علومه الأولية في كتاتيب النجف الأشرف ثم دخل في مرحلة الدراسة الابتدائية في مدرسة منتدى النشر الابتدائية حيث أنهى فيها الصف الرابع ، ونشأت عنده الرغبة في الدخول في الدراسات الحوزوية بصورة مبكرة .
بدأ بالدراسة الحوزوية عندما كان في الثانية عشر من عمره وكان ذلك سنة 1370هـ ، حيث درس عند مجموعة من اساتذة الحوزة العلمية في النجف منهم :
1ـ آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم .
2ـ آية الله السيد محمد حسين الحكيم ( قدس سره ) .
3ـ آية الله العظمى السيد يوسف الحكيم ( قدس سره ) اخوه الاكبر .
4ـ آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سرّه) .
5ـ آية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سرّه) .
مكانته العلمية :
عُـرِف منذ سنّ مبكرة بنبوغه العلمي وقدرته الذهنية والفكرية العالية ، فحظي باحترام كبار العلماء والأوساط العلمية ، كما نال في أوائل شبابه من آية الله العظمى الشيخ مرتضى آل ياسين شهادة اجتهاد في علوم الفقه وأصوله وعلوم القرآن ، وذلك في عام 1383هـ
تدريسه وطلابه :
وبعد أن نال سماحته مرتبة عالية في العلم بفروعه وفنونه المختلفة مارس التدريس لطلاب السطوح العالية في الفقه والأصول ، وكانت له حلقة للدرس في (مسجد الهندي) بالنجف الأشرف ، وعُـرف بقوة الدليل وعمق الإستدلال ودقة البحث والنظر ، فتخرج على يديه علماء انتشروا في مختلف أنحاء العالم الإسلامي ، نذكر منهم :
1ـ شقيقه الشهيد آية الله السيد عبد الصاحب الحكيم .
2ـ حجة الاسلام والمسلمين السيد محمد باقر المهري .
3ـ حجة الاسلام والمسلمين الشيخ علي الكوراني .
4ـ الشهيد حجة الاسلام السيد عباس الموسوي .
5ـ حجة الاسلام والمسلمين الشيخ أسد الله الحرشي .
6ـ حجة الاسلام والمسلمين الشيخ عدنان زلغوط .
7ـ حجة الاسلام والمسلمين السيد حسن النـوري .
8 ـ حجة الاسلام والمسلمين السيد صدر الدين القبانجي .
9ـ حجة الاسلام والمسلمين الشيخ حسن شحاده .
10ـ حجة الاسلام والمسلمين الشيخ هاني الثامر .
ومع ذيوع صيته العلمي ومن أجل تحقيق نقلة نوعية في العمل الإجتماعي والثقافي لعلماء الدين في انفتاح الحوزة على الجامعة من ناحية ، وتربية النخبة من المثقفين بالثقافة الدينية الأصيلة والحديثة ، فقد وافق المرجع السيد محمد باقر الصدر على انتخابه عام 1964م ليكون أستاذاً في ( كلية أصول الدين ) في علوم القرآن ، والشريعة ، والفقه المقارن ، وقد استمر في ذلك النشاط حتى عام 1975م ( 1395هـ ) حيث كان عمره الشريف حين شرع بالتدريس خمسة وعشرون عاماً .
وعلى صعيد التدريس في ايران ، فقد مارس تدريس البحث الخارج على مستوى الإجتهاد بشكل محدود بسبب انشغاله بقيادة الجهاد السياسي ، كما قام بتدريس التفسير لعدة سنوات من خلال منهج التفسير الموضوعي والتفسير التجزيئي الإجتماعي .
مؤلفاته :
نذكر منها :
1ـ علوم القرآن .
2ـ الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق .
3ـ الهدف من نزول القرآن .
4ـ أهل البيت ( عليهم السلام ) ودورهم في الدفاع عن الإسلام .
5ـ دور الفرد في النظرية الإقتصادية الإسلامية .
6ـ حقوق الإنسان من وجهة نظر إسلامية .
7ـ النظرية الإسلامية في العلاقات الإجتماعية .
8 ـ منهج التزكية في القرآن .
9 ـ المستشرقون وشبهاتهم حول القرآن .
10ـ الظاهرة الطاغوتية في القرآن .
نشاطاته الثقافيـة :
في إيران وإلى جانب نشاطاته السياسية ، فقد أولى سماحته للقضايا الثقافية الإسلامية اهتماماً كبيراً ، فكان له دور كبير في إنشاء مؤسـستين إسـلاميـتين عالميتين :
الأولى:
هي المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية حيث يحتل الآن موقع رئيس المجلس الأعلى لـهذا المجــمع .
الثانيـة :
المجمع العالـمي لأهل البيت (عليهم السلام ) حيث يحتل موقع نائب رئيس المجلس الأعلى لـهذا المجمع .
كما بادر سماحته إلى تأسيس مركز دراسات تاريخ العراق الحديث ومقره في مدينة قم المقدسة .
كما قام بتأسيس مؤسسة (دار الحكمة) التي تضم مدرسة دينية حوزوية ومركزاً للنشر ، ومركزاً آخر للبحوث والدراسات ، ومكتبة علمية تخصيصية .
حركته السياسية:
وعلى الصعيد السياسي ، فقد دخل منذ البداية في دائرة الاهتمام بايجاد التنظيم السياسي الاسلامي الذي يكفل ايجاد القدرة على التحرك السياسي المدروس في أوساط الشعب العراقي .
وبهدف ردم الهوة بين الحوزة العلمية والشرائح الاجتماعية المثقفة ، حيث كان هناك شعور بالحاجة لتنظيم اسلامي يتبنى النظرية الاسلامية الأصيلة المأخوذة عن أهل البيت (عليهم السلام) ومرتبط بالحوزة العلمية وهمومها ومشاريعها من ناحية ، ولمواجهة التنظيمات غير الاسلامية التي أسست على اسس الحضارة الغربية او الشرقية من ناحية أخرى ، وضرورة مدّ الجسور إلى الاوساط المثفة بالثقافة الحديثة من خريجي الجامعات والموظفين والطلبة والمعلمين وغيرهم ، وكذلك التحولات السياسية المهمة في المنطقة عموماً وفي العراق خصوصاً بعد سقوط الملكية وقيام النظام الجمهوري .
وهي الاسباب التي تشكل خلفية اتخاذ قرار تأسيس التنظيم الاسلامي سنة 1958م ، الذي شارك فيه السيد الحكيم مع آخرين من العلماء الكبار أمثال: آية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رض) .
استمر مشاركاً في مرحلة التأسيس وكان يقوم فيها بدور فكري وثقافي بشكل عام ، وتنظيمي بشكل محدود لمدة سنتين ، الا أن ظروفاً موضوعية أملت عليه وعلى الشهيدين الامام الصدر والعلاّمة السيد محمد مهدي الحكيم ( قدس سره ) أن يتركوا العمل داخل الاطار الحزبي ، حيث كان ذلك عام 1380هـ ، وان يتخصص للعمل الجماهيري بقيادة المرجعية الدينية .
وعلى الرغم من تركه العمل الحزبي إلاّ انه بقي على علاقته بالعمل السياسي المنظم على مستوى الرعاية والاسناد والتوجيه من خلال جهاز مرجعية والده الامام الحكيم ( قدس سره ) ، وبعد ذلك بشكل مستقل ، أو من خلال الموقع القيادي العام للنهوض الاسلامي الذي كان يمارسه السيد الشهيد الصدر ( قدس سره) .
وكان سماحته قد مارس في حياة والده الامام الحكيم دوراً مشهوداً في دعم واسناد الحركة الاسلامية بكل فصائلها ، وقد اتصف السيد الحكيم في نشاطه السياسي بالاقدام والشجاعة والجرأة والتدبير .
وفي تلك الظروف التي لم يتجاوز فيها السيد الحكيم العشرين من عمره كان يخرج من البيت متأخراً وأحياناً في منتصف الليل ، حيث يتوقع في كل لحظة ان يقع عليه اعتداء من قبل اعدائه أو مناوئيه ، لكنه كان يواجه كل تلك الاخطار بجرأة واقدام ، وقد قدّر الامام الشهيد الصدر (رض) للسيد الحكيم تلك المواقف الشجاعة الرائدة وترجم ذلك التقدير من خلال وصفه بأنه (العضد المفدى) كما ورد في مقدمة كتابه (اقتصادنا) .
جهاده خارج العراق :
منذ اللحظات الاولى التي تمكن فيها السيد الخروج من العراق في تموز عام 1980 ، توجه نحو نحو تنظيم المواجهة ضد نظام صدام ، وتعبئة كل الطاقات العراقية الموجودة داخل العراق وخارجه من اجل دفعها لتحمل مسؤولياتها في مواجهة هذا النظام .
وبعد مخاضات صعبة ، اسفر النشاط المتواصل والجهود الكبيرة للسيد الحكيم عن انبثاق ( المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق ) في أواخر عام 1982م ـ 1402هـ ، وانتخب سماحته ناطقاً رسمياً له ، حيث أوكلت له مهمة ادارة الحركة السياسية للمجلس على الصعيد الميداني والاعلامي وتمثيله .
ومنذ عام 1986م أصبح سماحته رئيساً لهذا المجلس وما زال يتحمل لحد الآن هذه المسؤولية بكل جدارة ، وذلك بعد انتخابه للرئاسة وبصورة متكررة من قبل اعضاء الشورى المركزية .
ركن الفقاهة ..
وقطب رحى الحوزة ..
وفلك المرجعية..
لايعرف من الفاضل الا الفاضل..
خادم العلماء
هم الحكماء هم الأمناء
يقول الإمام المنتظر عجل الله فرجه :
وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله( (الاحتجاج: ص458).
و رواة حديثهم عليهم السلام هم الفقهاء
أمة في رجل
ليس من العدل والإنصاف بمكان ان ندعي ان ما سنكتبه عن الشهيد المرجع الديني اية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم( قدس سره) سيكون وافيا ومحيطا بكل جوانب حياته ونشاطاته، وانما هي رؤوس اقلام ليس إلا، ومجرد إشارات فقط، لان الكتابة عنه( قدس سره) أمر لا يخلو من صعوبة ومشقة، فالرجل قد امتد نشاطه لاكثر من نصف قرن، كانت سنينه معبأة ومثخنة بالاحداث والتطوارات، حيث امتازت هذه السنين بصعود الخط البياني لقوة المرجعية وتعاظم نشاطها، وما تبعه من متغيرات على كافة الاصعدة والمستويات، وكان( قدس سره) مرافقا لهذا الصعود وداخلا في عمقه، حيث انه كان أحد العقول المهمة في الجهاز المرجعي للامام الحكيم، واحد اهم مستشاري الامام الصدر ومنسقا فعالا بينه وبين الامام الخوئي واحد الداعمين بقوة لمرجعية الامام الخميني. ومن جهة اخرى كانت ولادته في بدايات الحرب الكونية الثانية وما نتج عنها من تجاذبات بين القطبين القت بظلالها على الشرق الأوسط والعالم الاسلامي فيما بعد، وما نتج عنها من انعطافات مهمة في حركة الشعوب العربية والاسلامية على مستوى الوعي المرجعي والديني والسياسي والعلمي والثقافي والاجتماعي. ومن هنا تصبح الاحاطة بسيرة شهيدنا بحاجة الى بحث واسع، ومراجعة كثيفة للاحداث، ودراسة معمقة للتطورات، كي يمكن الخروج بنتائج نيرّة المعالم وناصعة الوضوح. وبهذه المناسبة تدعو( مؤسسة تراث الشهيد الحكيم / قسم الدراسات) كل الاخوة المؤرخين والمثقفين ورجال الدين الى الاهتمام بدراسة شخصية شهيد المحراب، والوقوف عندها ملياً، فهو( قدس سره) نذر نفسه بصورة مطلقة للاسلام، وافنى عمره الشريف في خدمة المسلمين، واضافة الى هذا فحياته تمثل مقطعا مهما من تاريخ العراق الحديث والحركة المرجعية والاسلامية والعلمية والثقافية، و(مؤسسة تراث الشهيد الحكيم / قسم الدراسات) تتعهد بتقديم كل الوثائق المطلوبة التي من شأنها إعانة الباحث على اكمال بحثه وتذليل العقبات من امامه.
إطلالته على الدنيا
في الخامس والعشرين من جمادى الأولى عام 1358 هـ - 1939م، وفي مدينة النجف الأشرف مركز المرجعية الدينية شاء الله ان يطلَّ على الدنيا شهيدنا المعظم آية الله العظمى المجاهد السيد محمد باقر الحكيم ليكون الولد الخامس والابن البار لمرجع الطائفة الإمام السيد محسن الطباطبائي الحكيم، وينتمي(شهيد المحراب) إلى أسرة امتازت بحبها للعلم والعمل واتسمّت بالإخلاص والتقوى فبرز الكثير من رجالها في ميادين العلم يغذون المعارف بنتاجاتهم ويسيرون على الصراط المستقيم بورعهم، منهم جد الشهيد السيد مهدي الحكيم الذي نبغ في العلم حتى أصبح أحد المجتهدين اللذين يشار لهم بالبنان وتورّع عن المحارم فكانت كلمة المقدّس رفيقة لاسمه، وينتهي نسب(آل الحكيم) إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب(ع) عن طريق ولده الحسن المثنى.
بين أحضان الحنان والعلم
في أحضان الأب يتلقى الطفل والفتى الحب والحنان، والتوجيه نحو التحصيل وطلب العلم، غير أن(شهيد المحراب) فاق الأقران ونهل من العلم والأخلاق بقدر ما تشربّت نفسه الزكية بمعاني الفضيلة والرجولة،(فقد كان الوالد ـ الإمام الحكيم ـ يغرس في نفسه ـ شهيد المحراب ـ واخوته روح التقوى الحقيقية من خلال التأكيد على عناصر الصدق والأمانة والورع عن محارم الله وتحمل المسؤولية تجاه الأمة وقضاياها المصيرية، وتجاه الحوزة العلمية وقضايا الناس وحاجاتهم، حيث كان يؤكد على نقاط رئيسية:
1ـ الإخلاص لله تعالى في العمل وتوخي الحذر من نزوات الأنفس ولمزات الشياطين.
2ـ المصلحة الإسلامية وما يهدي إليه العقل والحكمة، فكان يقول: إذا عرضت عليك قضية ورأى عقلك فيها المصلحة والفائدة فاعرضها على دينك فإذا رضي بها فافعلها، وإلا فاتركها.
3ـ رضا الناس وموقفهم من العمل ومراعاة مشاعرهم وعواطفهم.
4ـ التأكيد على طلب العلوم الدينية والقيام بالوظائف الشرعية في مجال التدريس والتعليم والتبليغ الإسلامي.
5ـ بناء المكونات الأساسية للشخصية التي كان يراها في حرية التفكير والاستقلال في الإرادة والتوكل على الله والاعتماد على النفس والاستعداد للتضحية والفداء في أداء الواجب او خدمة الناس والمسلمين.
في ظل هذه الأجواء المتشبعة بالروح الإيمانية والثقة العالية بالنفس نشأ السيد الشهيد( قدس سره) وقد كان لحياة التقشف دور في صقل شخصيته( وقد يكون الفقر في ذلك الزمان هو الطابع العام لطلاب العلوم الدينية، وقد يتفاوتون فيما بينهم في هذا الجانب، ولكن الظروف الاقتصادية الصعبة العامة التي عاشها الإمام الحكيم في بداية حياته كانت أشد ضغطا عليه وعلى أسرته من غيره، أضف إلى ذلك أن أجواء النجف الأشرف العامرة بمجالس العلم والعلماء والأدب والأدباء كانت المرتع الخصب لنمو الذهنية العلمية والأدبية وهم يبحثون ويناقشون الفقه وأصوله والعقيدة والكلام.
كتاتيب النجف الأشرف كانت مدرسة الأجيال التي يتلقى فيها الفتيان علومهم الأولية والبسيطة وسيدنا الشهيد سار على نهج أبناء مدينته فتلقى القراءة والكتابة فيها، ثم دخل مرحلة الدراسة الابتدائية في مدرسة منتدى النشر وأنهى الصف الرابع وتركها متوجها نحو الدراسات الحوزوية في سن الثانية عشر من عمره فكان أول أساتذته المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد سعيد بن السيد محمد علي الحكيم حيث درس عنده قطر الندى وألفية بن عقيل وجزءاً من مغني اللبيب، وحاشية الملا عبد الله وجزءاً من منطق المظفر، والمختصر وجزء من المطول، ومنهاج الصالحين والمعالم. وأنهى دراسة اللمعة الدمشقية سنة 1375 هـ - 1956م ودرس كتاب الرسائل على يد أستاذه آية الله السيد محمد حسين بن السيد سعيد الحكيم( قدس سره)، وحضر درس الكفاية الجزء الأول عند آية الله العظمى السيد يوسف الحكيم( قدس سره) وواصل دراسة الجزء الثاني من الكفاية وكذلك جزءاً من المكاسب عند الشهيد الصدر( قدس سره). ثم حضر درس(خارج الفقه والأصول) لدى كبار العلماء والمجتهدين أمثال آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي( قدس سره) وآية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر( قدس سره) حيث حضر عنده في بداية تدريسه لبحث الخارج، واستمر بالحضور لدى هذين العلمين الكبيرين فترة طويلة وقد عرف(دام ظله) منذ سن مبكرة بنبوغه العلمي وقدرته الذهنية والفكرية العالية، مما جعل كبار العلماء والأوساط العلمية تفيض عليه ألواناً من الاحترام والاهتمام، ونال في أوائل شبابه عام 1384 هـ شهادة اجتهاد في علوم الفقه وأصوله وعلوم القرآن من المرجع آية الله العظمى الشيخ مرتضى آل ياسين. ولسماحته تقريرات للدروس التي تلقاها على مستوى المقدمات والسطوح وبحث الخارج تركها في النجف بسبب الهجرة من العراق فاستولى عليها أوغاد صدام ضمن مصادرتهم لممتلكاته، ومنها مكتبته وكتاباته.
العطاء الفكري
حرص( قدس سره)على تزكية علمه منذ شبابه وكان جل طموحه نشر ثقافة أهل بيت النبوة(ع) وتغذية الأمة بعطائهم الفكري(زكاة العلم أن تعلمه عباد الله) ولذا تميز عن كثير من أقرانه بحركته الدؤوبة في المجال الثقافي والتبليغي مما حدى باللجنة المشرفة على مجلة الأضواء إلى استدعاءه ليكون أحد المشرفين على المجلة، وكان انفتاحه الفكري على المنهج العلمي الأكاديمي وقناعته بضرورة التواصل الفكري الاكاديمي بين الجامعة والحوزة العلمية واعتقاده الراسخ في ان كتاب الله هو اهم دعامات تقوم عليها تربية الجماعة الصالحة سبباً في انتخابه للتدريس في كلية أصول الدين التي كانت ضمن المشروع الثقافي والاجتماعي العام لمرجعية الإمام الحكيم( قدس سره) ومؤسساتها وكان لشهيدنا الغالي جهود في التخطيط والاسناد والمتابعة لها، فأنتدب أستاذا لقسم علوم القرآن الكريم والشريعة والفقه المقارن للاستفادة من ثقافته وعلومه، وقد سجل نجاحا باهراً رغم حداثة سنه، حيث لا يزيد عمره آنذاك على الخمسة وعشرين عاما، ونظراً لقناعته المتأصلة في قيمومة المرجعية الدينية على هكذا مشاريع باعتبارها صاحبة الولاية الشرعية وافق على الانضمام الى اجتماعات الهيئة التدريسية والإشراف على مجلة(رسالة الإسلام ) ورغم صعوبة السفر والتنقّل حينذاك بين بيته في النجف الاشرف وكلية أصول الدين في بغداد الا انه ظل مواظباً على سفره الأسبوعي وتحمله مشاق السفر وإدارة الكلية خصوصا بعد غياب العلامة السيد مرتضى العسكري عن عمادة الكلية بسبب مطاردة البعثيين له بعد وصولهم إلى كرسي الحكم في العراق سنة 1968. غير ان حزب البعث الطائفي قرر منذ تسلمه السلطة ضرب البنية التحتية لثقافة أهل البيت(ع) والإجهاز على كل مراكزهم الثقافية، فكلية أصول الدين كانت واحدة من الأهداف التي استهدفها الفكر الطائفي للبعثيين، فتم مصادرتها من قبل نظام حكم حزب البعث عام 1975م 1395هـ وإغلاقها وبذلك حرموا المثقف الشيعي من الاستفادة من علوم أهل البيت على يد أكابر الأساتذة كشهيد المحراب( قدس سره)، وقد ترك هذا السلوك البعثي أثراً سلبياً في نفس الشهيد فهو يرى بأم عينيه تدمير مواقع الانتماء الأصيلة للمسلم واحداً تلو الآخر مما جعل أهداف العصابة البعثية تتضح في ذهنه يوما بعد آخر. لم تستطع كلية أصول الدين احتلال كل اهتمام شهيدنا، ولم تكن هي الإشراقة الوحيدة التي كان( قدس سره) يرى الآخرة من خلالها ـ رغم إن دخوله الحرم الجامعي بزيه العلمائي وانه نجل المرجع الديني ذلك الوقت كان يمثل خطوة كبيرة باتجاه العمل التبليغي للحوزة العلمية ونقلة ومنعطفا مهما في العقلية الأكاديمية آنذاك ـ وإنما كان ذهنه الثاقب مملوءاً بالأفكار ونفسه الزكية مزدانة بالطموحات والهموم الحوزوية ألقت بظلالها على صفحة طموحاته فأقتطع جزءاً من وقته الشريف لتدريس المناهج الحوزوية على مستوى السطوح العالية إيمانا منه بضرورة رفد الحوزة العلمية بكوادر تمتاز بالعمق والدقة لتصون الجماعة الصالحة من وباء الأفكار المستوردة فأعطى كل ما عنده من عمق في الاستدلال ودقة في البحث والنظر حيث عُرف بقوة الدليل وتماسك الحجة ورصانة التفكير أعطى كل هذه الخصائص التي انعم الله بها عليه إلى تلامذته وطلابه كشقيقه الشهيد آية الله السيد عبد الصاحب الحكيم( قدس سره) الذي درس عنده الجزء الأول من الكفاية ، وحجة الإسلام والمسلمين السيد محمد باقر المهري، الذي درس عنده الجزء الثاني من الكفاية، وحجة الإسلام والمسلمين السيد صدر الدين القبانجي والعلامة الشهيد السيد عباس الموسوي الأمين العام السابق لحزب الله ـ لبنان ـ، والعلاّمة الشيخ أسد الله الحرشي، والفاضل الشيخ عدنان زلغوط، والسيد حسن النوري، والشيخ حسن شحاده، والشيخ هاني الثامر، وغير هؤلاء كثيرون اللذين استفادوا من سماحته( قدس سره) في مجال علوم الفقه وأصوله في حلقة درسه المتواضعة بمسجد الهندي وفي إيران بدأ سماحته تدريس كتاب القضاء والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحكم الإسلامي على مستوى البحث الخارج. ولقناعته التامة بضرورة تواصل رجل الدين مع كل ما يطرح على الساحة الثقافية من افكار وطروحات جديدة سواء كانت قادمة عبر الكتب او المجلات او الصحف فقد كان مكثراً من المطالعة وقارئاً لا يمل القراءة في كتب التاريخ والتراث والسيرة فولّد عنده قدرة ممتازة على التحليل والنقد الموضوعي أهلته لان يكتب بعض الموضوعات التثقيفية لحزب الدعوة الاسلامية وقد نشر بعضها في(صوت الدعوة) عام 1959 وكان عمره حينذاك عشرين عاماً. وفي هذا الصدد صدرت له عدة كتب تعالج مختلف القضايا الحيوية والحساسة للامة، هي:
1ـ الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق .
2ـ دور الفرد في النظرية الاقتصادية الإسلامية .
3ـ حقوق الإنسان من وجهة نظر إسلامية .
4ـ النظرية الإسلامية في العلاقات الاجتماعية. }كلها مطبوعة
5ـ النظرية الإسلامية في التحرك الإسلامي .
6ـ دعبل بن علي الخزاعي "شاعر أهل البيت (ع)" .
7ـ أفكار ونظرات جماعة العلماء.
8 ـ العلاقة بين القيادة الإسلامية والأمة .
9ـ الوحدة الإسلامية من منظور الثقلين، طبع عدة طبعات، آخرها في مصر سنة 2001م.
10ـ القضية الكردية من وجهة نظر إسلامية .
روى عن النبي (ص) انه قال: إذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فانه شافع مشفع، وشاهد مصدق، من جعله أمامه قاده الى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه الى النار وهو اوضح دليل الى خير سبيل، من قال به صدق ووفق، ومن حكم به عدل، ومن أخذ به اجر.
لا نبالغ كثيراً ولا قليلاً إن قلنا أن(شهيد المحراب) سار خلف القران حينما التبست الأمور على شيعة أهل البيت(ع) وأضحت كقطع الليل المظلم يتلمس أوضح الأدلة على الحق المهتضم والضائع بين جبروت الطغاة ونفاق الوعاظ، فالقران من وجهة نظره هو الركيزة الأساسية في حفظ الجماعة الصالحة حيث يقول:(لقد اهتم أهل البيت(ع) اهتماما خاصا ومتميزا بجانب الفكر والعقيدة، لأنه يعتبر الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه بناء أي جماعة بشرية. وبمقدار ما يكون هذا الجانب قويا وواضحا ومنسجما وشموليا، تكون الجماعة قوية وقادرة على مواجهة المصاعب والمشكلات والظروف المختلفة التي تفرزها حركة التاريخ.
ومن خلال هذه الرؤية لدور الجانب العقائدي والفكري نجد أن القران الكريم يهتم به اكبر اهتمام، ويعالج ـ في المجتمع الجاهلي ـ القضية العقائدية والفكرية قبل كل شئ. ويرسخ في المجتمع(الجماعة الصالحة) هذه القضية) ، فليس غريباً بعد هذا أن نلاحظ اهتمام شهيدنا بالقران الكريم اهتماما بالغا منذ بداية حياته العلمية حتى شهادته، حيث عكف على دراسته وتدريسه وهو في احلك الظروف واشدها قسوة عليه، ففي إيران وفي ظل ظروف حياتية لا يحسد عليها انكب على تدريس علوم القران وتفسيره، مضافا إلى محاضراته القرآنية الكثيرة في الوسط الإيماني والتي ركز فيها مفاهيم القران، وتتوجت هذه الجهود بالتالي:
1ـ علوم القرآن(مجموعة محاضرات ألقاها على تلامذته في كلية أصول الدين)، وقد نقحه وأضاف عليه وأعيد طبعه في أواخر عام 1417هـ، وهو كتاب كبير ومهم. وقد تمت ترجمته إلى اللغة الفارسية.
2ـ القصص القرآني. كتاب كبير يدرس في الجامعة الدولية للعلوم الإسلامية في إيران، ويجري العمل الآن على ترجمته الى اللغة الفارسية
3ـ الهدف من نزول القرآن وآثاره على منهجه في التغيير، وهو بالأصل بحث كتبه لأحد مؤتمرات الفكر الإسلامي المنعقدة في إيران، ثم قام بتوسيعه وتنقيحه فصدر في كتاب مستقل.
4ـ مقدمة التفسير وتفسير سورة الحمد، وقد تناول فيه قصص أولي العزم ضمن منهج أعتمد فيه على القرآن وأحاديث أهل البيت(ع). مستبعداً الإسرائيليات التي دخلت في الحديث عن الأنبياء. ويجري العمل أيضاً على ترجمته من قبل إحدى دور النشر بطهران.
5ـ منهج التزكية في القرآن.
6ـ تفسير سورة الصف(مخطوط).
7ـ تفسير سورة الجمعة(مخطوط).
8ـ تفسير سورة المنافقون(مخطوط).
9ـ تفسير سورة الحشر(مخطوط).
10ـ تفسير سورة التغابن(مخطوط).
11ـ المستشرقون وشبهاتهم حول القرآن، كتاب ألّفه في الستينات وطبع في العراق أواسط السبعينات. وهو مقتطف من محاضراته في علوم القرآن التي ألقاها على طلبة كلية أصول الدين ببغداد.
12ـ الظاهرة الطاغوتية في القرآن(مطبوع).
الذوبان في العترة
قال رسول الله(ص) : إني أوشك أن ادعى فأجيب، فإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عزوجل وعترتي. كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا بماذا تخلفوني .
يتلمس الدارس والمتتبع لمنهج(شهيد المحراب) انه( قدس سره)يقطر ولاءً لأئمة أهل البيت اعتقاداً منه اعتقاداً جازماً انهم الحق الذي لا يشوبه أي شك، وسفن النجاة التي أمر الله تعالى بركوبها، وان الإسلام دين لم يكتمل في رؤاه ونظرياته ان لم نتمسك بالعِدل الآخر، فهو( قدس) يقول:(ان أطروحة أهل البيت(ع) من أهم الاطروحات الإسلامية ذات الأبعاد المتعددة، العقائدية والفكرية والثقافية والتاريخية والاجتماعية. فهم امتداد للنبوة في خط الإمامة، وولاة الأمر اللذين أوجب الله طاعتهم وولايتهم ومودتهم.
كما انهم عِدل القران الكريم الذي هو الثقل الأكبر، وأهل البيت(ع) هم الثقل الآخر الذي لن يفترق عن القران، بل هم علماء القران أيضا يفسرونه ويوضحونه ويبينونه ويكشفون غرائبه ويستخرجون كنوزه.
وفي الوقت نفسه هم حملة السنة النبوية في تفاصيلها ومصاديقها، ويعرفون ما تؤول إليه الآيات والأحاديث في حاضرها ومستقبلها
فوجد( قدس سره) في سيرتهم وسلوكهم وأحاديثهم العلمية والتعليمية ثقافة غزيرة بكل أبعادها وان صورة الإسلام بما هو الدين الخاتم للشرائع السماوية، مشروع متكامل يعالج مشاكل الحياة وظروفها من جميع زواياها إنما تتكامل من خلال القرآن الكريم والعترة الطاهرة، فاستهوته الموسوعات التاريخية والحديثية منذ نعومة أظفاره، واصبح الحديث عن سيرة أهل البيت(ع) ملازما له في وصاياه ونداءاته ونصائحة وإرشاداته، ومن اجل تأصيل هذه الثقافة والمفاهيم السامية في نفوس اتباع اهل البيت(ع) كان له دور ريادي في تنضيج فكرة اقامة مهرجانات واحتفالات بالمناسبات الدينية في مختلف المدن العراقية، ولتكون في ذات الوقت تظاهرة تعبّر عن مواقف المرجعية تجاه قضايا الساعة التي تجري في العراق، فكانت تقام في النجف الاشرف بميلاد الإمام الحسين(ع) في الثالث من شعبان كل عام، وميلاد الإمام علي(ع) في كربلاء في الثالث عشر من رجب كل عام، ومولد الرسول الأعظم(ص) في الثاني عشر من ربيع الأول كل عام في بغداد، وميلاد الإمام الحجة القائم المنتظر الذي يقام في البصرة في الخامس عشر من شعبان كل عام.. فهو يرى انهم خير قدوة يمكن للبشر الاقتداء بهم، وثقافتهم خير دروع يتحصن بها اتباع محمد (ص). وقد عبرَّ قلمه الشريف عن هذا الولاء المتدفق بمجموعة من الكتب والبحوث عنهم(ع) هي:
1ـ أهل البيت(ع) ودورهم في الدفاع عن الإسلام(مطبوع).
2ـ دور أهل البيت(ع) في بناء الجماعة الصالحة، كتاب في مجلدين، مهم في بابه لدراسة حياة أئمة أهل البيت(ع) (مطبوع)، ويجري العمل حالياً على ترجمته إلى اللغة الفارسية.
3ـ ثورة الإمام الحسين(ع)، وهو عبارة عن قسم من محاضراته التي ألقاها على أوقات مختلفة.(مطبوع)
4ـ مأساة الحسين(ع) وتصعيد روح المقاومة.
صرخة الحسين(ع)(هيهات منا الذلة) كانت حية داخل وجدان(شهيد المحراب) رغم السنين المتمادية، فهو يفسرها(رضوان الله عليه) من خلال منظوره الإنساني بأنها صرخة عز وفخر أطلقها الحسين(ع) قبل قرون لتبقى مدوية في سماء الأحرار اللذين يأبون الضيم، وصرخة استنهاض لهمم المؤمنين الرساليين اللذين يأبون انحراف المسيرة المحمدية عن صراطها الذي اختطته السماء، فالحسين(ع) وشعائره أحد أهم صمامات الأمان التي تحفظ التوازن الديني والأخلاقي والسلوكي لشيعة أهل البيت(ع) فيقول:(ولا شك ان نهضة الحسين(ع) كان لها تأثير بالغ وكبير في حركة التاريخ الإسلامي وحياة المسلمين عامة، بحيث أدت تفاعلاتها الواقعية في حركة الأمة إلى حفظ الإسلام والأمة الإسلامية من كثير من مخاطر الانحراف. ولكن الشعائر الحسينية كان لها دور آخر مكمل لدور الثورة نفسها ) ويقول في مكان آخر :(وقد وضع الأئمة (ع)التصميم العام لهذه الشعائر وأعطوها أبعادها الدينية الكاملة، وحددوا الشكل والمضمون الذي يتناسب مع الدور المهم الذي لابد لها أن تؤديه من ناحية الشكل مع ظروف المأساة وأتباع أهل البيت (ع)، ومن ناحية المضمون مع الأبعاد السياسية والروحية والثقافية والعقائدية ). فكان(رضوان الله عليه) حريصا كل الحرص على إحياء هذه الشعائر على مدى اكثر من خمسة عقود من الزمن، وقد ترك بصماته عليها خلال هذه الفترة عبر مساهماته الفعالة فيها، والتي يمكن الإشارة إليها بالتالي:
1ـ التزامه بتفقد المسيرة الراجلة لزيارة الإمام الحسين(ع) في أربعينه، وكان( قدس سره) يعتبرها فرصة لبث الروح الحسينة في نفوسهم.
2ـ مواظبته على زيارة الإمام الحسين(ع) في المناسبات الدينية.
3ـ كان أحد المنظرين والداعين لتنفيذ فكرة مواكب طلبة الجامعات التي كانت تعبر في خروجها أفواجاً أفواجاً عن النهج المرجعي الذي هو الامتداد الطبيعي لخط الإمامة، بل كان يشترك فيها ممثلاً عن والده المرجع الاعلى، ويلقي بها خطابا في الصحن الحسيني
4ـ قصة شهادة سيد الأحرار(ع) يوم عاشوراء مملوءة بالعبر الأخلاقية والإيمانية ودروس الجهاد والبطولة والتضحية، فكان سيدنا الشهيد ملتزماً بحضوره السنوي في كربلاء لقراءتها على الملأ في واحد من اكبر تجمعات الجماعة الصالحة. وبعد اضطراره للهجرة الى الجمهورية الإسلامية في إيران أبقى على التزامه هذا، وفكان يقرؤها في مسجد الإمام الرضا(ع) في قم المقدسة.
5ـ في العشرة الأولى من محرم الحرام يعقد مأتماً ويحضره هو شخصيا في مكتبه الخاص بطهران.
6ـ تأثر شهيدنا الحكيم من الناحية الروحية والولائية بوالده الإمام الحكيم( قدس سره)، بصورة كبيرة، حيث كان الإمام الحكيم في ليلة السابع من محرم يقيم مأدبة عشاء كبرى يطلق عليها(عشاء العباس) فسار الابن على خطى أبيه، وكان ـ شهيد المحراب ـ يشرف بنفسه الزكية على إعداد وطبخ وتوزيع العشاء في مكتبه بطهران، وقبل العشاء يرتقي المنبر ليسلط الأضواء على تضحية وإيمان وتفاني أبي الفضل ويختم المحاضرة بالقصة الكاملة لشهادة قمر بني هاشم(ع).
هذه امثلة يسيرة من معالم شخصيته( قدس) المرتبطة بالشعائر الحسينية، والحديث طويل.
الشهيد بين مرجعيتين
حياة المجاهد الشهيد امتازت بأنها عاصرت مرجعيتين مهمتين في وقت كانت تعصف بالعراق الأحداث الخطيرة المتوالية، فمرجعية الإمام الحكيم هي المرجعية الكبرى التي غطت مساحة العالم الشيعي بأطرافه المترامية، ومرجعية الشهيد الصدر كونها تمثل أنموذجا حديثا وطرازا جديدا في اسلوب عملها وطريقة تفكيرها، فهي على حداثتها استطاعت ان تستقطب بقوة الشريحة المثقفة من العراقيين، وشهيدنا كان متواجداً في اعماقهما معا، اعتقاداً منه بضرورة دعمها(ولكن المرجعية ازدادت أهميتها ودورها في أوساط اتباع اهل البيت(ع) عندما أخذت البلاد الإسلامية تتعرض للنفوذ والغزو الأجنبي، وتعرض الكيان الإسلامي لخطر الانحراف، ثم تعرض بعد ذلك لخطر الانهيار والزوال وسقطت الدولة الإسلامية، الأمر الذي جعل المراجع والمجتهدين أمام مسؤولية جديدة وهي الدفاع عن الوجود الإسلامي، ومن ثم العودة الى الإسلام بعد انحسار النظام الإسلامي عن المجتمع في مجال التطبيق الاجتماعي وحتى الفردي )، ففي نطاق مرجعية والده الإمام الحكيم كان سيدنا الشهيد مسؤولاً مباشراً عن الطلبة العراقيين وغيرهم ممن هم جديدي العهد بدخول الحوزة العلمية في النجف الاشرف، فكان يرعى شؤونهم العامة ويتدخل لحل مشاكلهم ومعاناتهم.
كما كان مسؤولاً عن بعثة الحج الدينية لتسع سنوات متوالية(1960 ـ 1968م) التابعة لوالده الإمام الحكيم( قدس سره) فيسافر كل عام الى الحج يلتقي المسلمين، من أجل بث الوعي الديني في صفوفهم وتعليمهم الأحكام الشرعية وتنظيم أمورهم الدينية، وحصل حينها على وكالة مطلقة مؤرخة في 11 ذي القعدة 1383هـ من الإمام الحكيم.
وعلى الصعيد الرسمي مثلَّ الإمام الحكيم في عدد من الأنشطة الرسمية، كحضوره في عدة مؤتمرات واجتماعات، منها حضوره مع العلامة الشهيد السيد محمد مهدي الحكيم ممثلين والدهما في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة سنة 1965، والمؤتمر الإسلامي الذي عقد في عمان بالأردن في أعقاب نكسة 5 حزيران عام 1967م - 1387هـ.
وحين قام النظام البائد بعملية تسفير واسعة لعلماء وأساتذة وطلاب الحوزة العلمية في النجف الاشرف من الإيرانيين المقيمين في العراق، والعراقيين ذوي الأصول الايرانية، فأحتج الإمام الحكيم على ذلك بقطع زيارته لكربلاء التي كان يؤديها بمناسبة أربعين الإمام الحسين(ع) في العشرين من صفر عام 1389هـ، فعاد مسرعاً الى النجف، وتم اعلان ذلك على الناس. وعقد اجتماعاً كبيراً للعلماء لمتابعة هذا الأمر، فيما اضطر النظام إلى إرسال وفد كبير من بغداد برئاسة خير الله طلفاح محافظ بغداد وعضوية الوزير حامد علوان الجبوري، ومتصرف كربلاء آنذاك عبد الصاحب القرغولي وبعض المسؤولين الآخرين للتفاوض حول الأحداث، وهنا قدم سماحة السيد محمد باقر الحكيم في محضر الوفد الأدلة الثبوتية على وجود قرار للنظام بمحاربة الاسلام والدين بعد ان أنكر الوفد ذلك، وعلى أثر هذا اللقاء تم ايقاف التسفيرات بصورة مؤقتة.
وفي عهد مرجعية الشهيد الصدر لم يتوان شهيدنا في دعم هذه المرجعية وتقديم المشورة لها، وبحكم امتلاكه تجربة ثرية في العمل الميداني المرجعي، وقدرة كبيرة على استشراف المستقبل وقراءة احداثه، اختصه الشهيد الصدر( قدس سره) بالمشورة والاستفادة من آراءه.
وفي تحليل لمستقبل شيعة العراق ومرجعيته الدينية بعد وفاة الامام الحكيم انتهيا الى مايلي:
الأول: انّ النظام البعثي قمعي ويخطط للدخول في تفاصيل حياة الناس، وهو لا يَترُك حتى لو يُترَك ولذلك فلا بد من أخذ زمام المبادرة في التحرك وعدم الاعتماد على حالة ردود الفعل.
الثاني: انّ الأمة بدأت مرحلة جديدة من الوعي ولكنها غير متكاملة ولا منظمة وتحتاج إلى جهد متواصل يهتم بالكيف أكثر من الكم.
الثالث: انّ النظام والاستكبار العالمي فتحا عيونهما على المرجعية وأهميتها ودورها الفاعل في الأمة وقدرتها التأثيرية الكبيرة على اتباع اهل البيت(ع) بعد خروجها من عزلتها على يد الامام الحكيم، ولذلك فسوف يواصل النظام التعرض للمرجعية والعمل على انهاء دورها أو تحجيمه.
الرابع: وجود حاجة حقيقية لتوحيد المرجعية في العراق للمحافظة على ما تبقى من انجازات حققتها مرجعية الامام الحكيم وللاحتفاظ بقدرة المرجعية في المواجهة، ولذلك اهتم بارجاع الأوساط الشعبية إلى الامام الخوئي حيث كان هو المرشح لذلك.
الخامس: ضرورة اعتماد المرجعية على جهازها وتشكيلاتها الخاصة بها من العلماء والمبلغين، مضافاً الى القوى والتشكيلات الثقافية والسياسية الاسلامية الأخرى.
السادس: فصل المرجعية والحوزة وجهازها العام عن كل التنظيمات الاسلامية.
السابع: ضرورة وضوح العلاقة الداخلية بين المرجعية والحوزة من ناحية والتنظيم الاسلامي الخاص من ناحية أخرى، وهي علاقة قيمومة المرجعية على العمل التنظيمي الاسلامي وقيادته وتوجيهه وارشاده.
في صفر من عام 1397 ـ 1977 اندلعت اكبر انتفاضة شعبية بوجه البعثيين حيث شارك فيها عشرات الآلاف من أبناء العراق، وكان مركز انطلاقها مدينة النجف الأشرف، وشهد الطريق بين النجف وكربلاء اروع ملحمة بطولية سطرها أبناء العراق الغيارى، الامر الذي أدى الى تدخل القوات البرية المدرعة، والطائرات المقاتلة للسيطرة على المنتفضين، وارسل آية الله العظمى السيد الشهيد الصدر( قدس سره) سيدنا المجاهد ممثلاً عنه لتوجيه خطابه السياسي بالشكل الذي يحقق اهدافها في استمرار الشعائر الحسينية ويحبط مؤامرات النظام للالتفاف عليها، ولاشعار المنتفضين ان المرجعية معهم في موقفهم البطولي الرائع، وتمكن المجاهد السيد الحكيم من افشال مخطط النظام في ضرب الانتفاضة سياسياً.
دخول(شهيد المحراب) في عمق المرجعيتين وحركته الدؤبة والمتواصلة في تنضيج العمل المرجعي والتنظير له، جعله في قلب الحدث دائما، بل على فوهة المدفع. فعيون النظام السرية كانت تلاحق سماحته اطراف الليل وآناء النهار، وكان نصيبه الاعتقال، ففي عام 1972م اعتقلته الاجهزة الامنية مع عدد من العلماء وفي مقدمتهم السيد الشهيد الصدر( قدس سره) وقد تعرض سماحته للتعذيب القاسي الشديد، حيث كان المعتقل الوحيد من بين المعتقلين الذي تم نقله الى بغداد، ولكنه صمد صمود الابطال ولم يكل او يستكين.. وعندما صدر قرار الإفراج عنه أصر على ان لا يخرج من السجن حتى يصدر قرار الافراج عن السيد الشهيد الصدر، وبالفعل تم إخباره بالافراج عن الشهيد الصدر( قدس سره)، حيث أطلق سراحه.
وفي عام 1974م قام النظام بحملة واسعة من الاعتقالات ضد الاسلاميين شملت سيدنا الحكيم ايضا وبرفقة شهيدنا الصدر، ولكن جذوة الجهاد لم تخفت عنده، واستمر سيدنا المجاهد في نهجه الجهادي ضد النظام العفلقي حتى انطلقت انتفاضة صفر الاسلامية المباركة عام 1977م، بسبب تدخل النظام في الشعائر الحسينية ومنعه لأبناء الشعب العراقي من أداء مراسيم المواكب والزيارة مشياً على الاقدام للامام الحسين(ع) فتم اعتقاله من جديد وتعرض في هذه المرة لسلسلة من التعذيب النفسي والجسدي الشديد ومن ثم الحكم عليه بالسجن المؤبد. واطلق سراحه بعد حوالي سنة ونصف .